إخوان الصفاء

10

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل ثم اعلم أنه إذا خرج الجنين من الرّحم سالما من الآفات العارضة ، صحيح الحواسّ قويّ البدن ، واشتدت أركانه وانبسطت قوى النفس في الجسد ، باشرت القوى الحساسة ذوات المحسوسات وإدراكها على هيئاتها . ثم أدت رسومها إلى القوة المتخيلة التي في مقدّم الدماغ ، ودفعتها المتخيلة إلى المفكرة . ثم غابت المحسوسات عن مشاهدة الحواسّ ، وبقيت آثار تلك الرسوم مصوّرة في فكرة النفس ، فاستقلّت بذاتها ، واستغنت بجوهرها عن حواسها ، وتصرفت فيها من غير أن يشاركها شيء خارج من ذاتها ، ويتأملها من غير أن يحتاج إلى غير نفسها . فإذا تأملتها النفس وميّزتها بعقلها ، لا تجد شيئا سوى صور تلك المحسوسات منتزعة من هيولاتها ، ومصورة في جوهر النفس ، فيكون جوهر النفس لتلك المصوّرة في ذاتها كالهيولى ، وتلك الرسوم فيها كالصورة . وهكذا أيضا حكم صور المعقولات في النفس ، وذلك أنها ليست شيئا سوى صور الأجناس والأنواع انتزعتها النفس بقوتها المتفكرة وصوّرتها في ذاتها ، وحملتها كما حمل الهواء صوت المسموعات ، وذلك أن الهواء يحمل الأصوات والنغمات المختلفة ويؤديها إلى المسامع ؛ ويحمل أيضا الروائح ويؤديها إلى المشامّ بهيئاتها لا يغيّر منها شيئا إلا بعارض يعرض لها ، لأن الهواء جسم لطيف روحاني حافظ للصورة . وهكذا الضياء أيضا يحمل الأشكال والألوان ويؤدّيها إلى الأبصار ، ولا يخلط بعضها ببعض . فهكذا أيضا النفس تقبل صور المعلومات من المحسوسات والمعقولات في ذاتها ، وتصوّرها بفكرها ، وتحفظها بالقوة الحافظة من غير أن تخلط بعضها ببعض ، لأن جوهر النفس أشدّ روحانية من جوهر الهواء وجوهر الضياء جميعا ، فاستغنت بنفسها ، واستقلت بذاتها ، وفرحت بنجاتها ، واستبشرت